الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

493

المنقذ من التقليد

على لبس زيّ واحد وتناول طعام واحد من دون جامع يجمعهم على ذلك ، واجتماع شعراء كثيرين على إنشاء قصائد متعددة متفقة الألفاظ والمعاني والوزن والقافية اتفاقا . وأمّا أن يقال : إنّهم افتعلوا هذه الأكاذيب وتواطئوا عليها ما مشافهة أو مكاتبة أو مراسلة ، وذلك أيضا مستحيل في الجمع الكثير الذين هم دون جميع المسلمين في الكثيرة ، فكيف يتصوّر في حقّ المسلمين كلّهم ؟ ! ولئن كان بينهم تواطؤ في ذلك بأحد الوجوه المذكورة لما خفي على الناس ولظهر وانتشر ، كما قال القائل : وسرّك ما كان بين امرئ * وسرّ الثلاثة غير الخفيّ وأما أن يقال : الأصل في رواية هذه الأحاديث كان واحد ، ثمّ ظهر وانتشر عنه وتداولته الألسن وهذا باطل أيضا ، لأنّه لو كان كذلك لوجب أن يكون الواضع لها ظاهرا ، وأن يكون زمان ادّعاء هذه المعجزات معلوما ، وأنّه ما ادّعاها أحد قبله ، كما علم ذلك في جميع المذاهب والأقوال المبتدعة المتجددة التي لم تكن في الصدر الأوّل وسنشبع القول في ذلك في القول في الإمامة إن شاء اللّه تعالى . فبطل كونهم كاذبين ، إذ لو كانوا كذلك لما خرجوا عن أحد هذه الأقسام التي ذكرناها وأبطلناها . وإذا بطل كونهم كاذبين تعيّن كونهم صادقين ، إذ المخبر لا يخلو عن أحد هذين الوصفين ، فإذا لم يكن على أحدهما كان بالضرورة على الآخر ، فإذا كان كذلك ثبت وتحقّق صحّة هذه الأخبار . ثمّ وإن فرضنا نقلها من طريق الآحاد ، فانّ معناها متواتر ، لأنّا نعلم أنّه لا يجوز مع كثرتها واختلاف رواتها أن يكون كلّها كذبا ، لأنّ مثلها لا يتفق في الكذب ، فهي تجري مجرى الأخبار المنقولة عن تفاصيل « 1 » سخاء حاتم وشجاعة

--> ( 1 ) ج : تفصيل .